ابن قيم الجوزية
706
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
احتجوا عليهم بآخره ، وهو قوله : اللّه أعلم بما كانوا عاملين . فبيّن الإمام أحمد وغيره أنه لا حجّة فيه للقدرية ، فإنهم لا يقولون : إن نفس الأبوين خلقا تهويده وتنصيره ، بل هو تهوّد وتنصّر باختياره ، ولكن كان سببا في حصول ذلك بالتعليم والتلقين ، فإذا أضيف إليهما هذا الاعتبار ، فلأن يضاف إلى اللّه الذي هو خالق كلّ شيء بطريق الأولى ، لأنه سبحانه وإن كان خلقه مولودا على الفطرة سليما ، فقد قدّر عليه ما سيكون بعد ذلك من تغييره ، وعلم ذلك كما في الحديث الصحيح : « إنّ الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافرا » « 1 » ولو بلغ لأرهق أبويه طغيانا وكفرا . فقوله : طبع يوم طبع ، أي : قدر وقضى في الكتاب أنه يكفر ، لا أنّ كفره كان موجودا قبل أن يولد ، ولا في حال ولادته ، فإنه مولود على الفطرة السليمة ، وعلى أنه بعد ذلك يتغير ويكفر . ومن ظنّ أنّ الطبع على قلبه وهو الطبع المذكور على قلب الكفار ، فهو غالط ، فإن ذلك لا يقال فيه : طبع يوم طبع ، إذ كان الطبع على قلبه إنما يوجد بعد كفره . وقد ثبت في صحيح مسلم « 2 » عن عياض بن حمار ، عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم فيما يروي عن ربه ، تبارك وتعالى ، أنه قال : « خلقت عبادي حنفاء كلهم ، فاجتالتهم الشياطين ، وحرّمت عليهم ما أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا » وهذا صريح في أنه خلقهم على الحنيفية ، وأن الشياطين اجتالتهم بعد ذلك . وكذلك في حديث الأسود بن سريع الذي رواه أحمد وغيره ، قال : بعث النبي صلى اللّه عليه وسلم سرية ، فأفضى بهم القتل إلى الذرية ، فقال لهم النبي صلى اللّه عليه وسلم : « ما
--> ( 1 ) مر سابقا . ( 2 ) مسلم ( 2865 ) .